الشيخ محمد النهاوندي

445

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وقيل : إنّ الأول لأعمالهم ، والثاني لعقائدهم ، كما قال تعالى : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ « 1 » واستدل عليه بقوله : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً وإيمانا وهداية فَما لَهُ شيء مِنْ نُورٍ وهداية إلى خير أصلا . وقيل : إن المثل لمجموع عقائدهم وأعمالهم ، والمراد من الظلمات ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل « 2 » . وعن أبي بن كعب : الكافر يتقلّب في خمس من الظّلم : ظلمة كلامه ، وظلمة عمله ، وظلمه مدخله ، وظلمة مخرجه ، وظلمة مصيره إلى النار « 3 » . وقيل : إنّه مثل للكافر نفسه « 4 » . عن ابن عباس : شبّه قلبه وبصره وسمعه بهذه الظلمات الثلاث « 5 » . وقيل : قلبه مظلم وصدره مظلم ، وجسده مظلم « 6 » . وقيل : إنّ الكافر في ظلمات ثلاث ، حيث إنّه لا يدري ، [ ولا يدري ] أنّه لا يدري ، ويعتقد أنّه يدري « 7 » . [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 41 إلى 42 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ( 41 ) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 42 ) ثمّ لمّا بيّن اللّه سبحانه حال رجال مهتدين بنوره ، مستغرقين في أنوار توحيده ومعارفه ، ومتوجّهين إلى ذكره وتسبيحه والقيام إلى الصلاة له ، بخلاف المشركين المنغمرين في الظلمات ، بيّن أنّ لكلّ موجود معرفة بتوحيد خالقه وذكرا وتسبيحا « 8 » وصلاة له تعالى على حسبه بقوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ وينزّهه في ذاته وصفاته وأفعاله ممّا لا يليق به من النقص والخلل مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما فيهما « 9 » من العقلاء وغيرهم تنزيها معنويا بلسان الحال ، وهو إمكانه وتكوينه وتغييره ، أو تعبير مناسب بحيث تفهمه العقول السليمة ، وذكر ( من ) في الآية لتغليب العقلاء وَ تسبّح الطَّيْرُ بأنواعها حال كونها صَافَّاتٍ بأجنحتها ، باسطات لها في الهواء ، متمكّنات من الوقوف والحركة في الجوّ كيف تشاء ، مع اقتضاء ثقل جسمها السقوط وإنّما أفردها بالذّكر مع كونها داخلة « 10 »

--> ( 1 ) . البقرة : 2 / 257 . ( 2 و 3 و 4 و 5 ) . تفسير الرازي 24 : 8 . ( 6 ) . تفسير الرازي 24 : 9 . ( 7 ) . تفسير الرازي 24 : 8 . ( 8 ) . في النسخة : وذكر وتسبيح . ( 9 ) . في النسخة : وما فيها . ( 10 ) . في النسخة : داخلا .